16.7.13

صدر حديثاً

صدر حديثا
الطبعة الثانية من كتاب:
ما قبل اللغة.. الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
دار تانيت للنشر والدراسات، الرباط، تونس، طرابلس
غلاف الكتاب

17.10.10


اللغة بحر عميق السواحل والدواخل

جعفر صاحب
 يكاد المرء يغرق بين ثنايا العلوم اللغوية من نحو وصرف وأدب وبلاغة وعروض...الخ، فما بالك بالذي يدخل في بحوث تتناول ما قبل اللغة. إنها بحوث تتطرق إلى (الفونيم) اللغوي، والفونيم هو عبارة عن عملية الانتقال في تحويل النبرات الصوتية إلى علامات مكتوبة.

لقد ثارت شهيتي في الخوض في دراسة اللغات القديمة عندما ألفت كتابا منهجيا لمادة الفكر الشرقي القديم وهي مادة من مواد قسم الفلسفة وذلك قبل عشرة أعوام. وقد ثارت أشجاني في قراءة علوم اللغات من جديد عندما أهدى لي الزميل الدكتور عبد المنعم المحجوب مؤلفه العلمي القيم الموسوم (ما قبل اللغة – الجذور السومرية للغة العربية واللغات الافروآسيوية).

الكتاب بفصوله السبعة يعد زادا علميا دسما يشد القارئ في متابعة الأفكار المترابطة وبشكل يثبت فيه براعة في غاية الإتقان يجسد من خلالها وحدة الموضوع وضمن منهجية تحليلية صائبة وشيقة. فقد قدم الدكتور المحجوب، تقديما شيقا يعد فرشة مبسطة لأدوات بحثه إذ عرف المؤلف الاصطلاحات التي وردت في كتابة، بعدها جاءت المقدمة التي كرسها للحفريات، مما سهل على القارئ استيعاب سرد مواصفات العصر شبه التاريخي في الفصل الأول، وغايته من ذلك إعادة استظهار الإحداثيات التاريخية والجغرافية لما أصاب بلاد الرافدين من تحولات سبقت ظهور الكتابة. وقد تطرق إلى خمسة ادوار (حضارية). وعندما ينهي القارئ الفصل الأول فانه يصبح جاهزا لاستيعاب الفصل الثاني الذي خصصه لأولى الحضارات الإنسانية وهي الحضارة السومرية. وينجح المؤلف ،ببراعة العالم المقتدر في صنعته، في توضيح الترابط بين الضمائم الافروآسيوية (الضميمة العربية بفروعها- الضميمة المصرية – الضميمة الليبية القديمة- الضميمة التشادية- الضميمة الكوشية- الضميمة الحبشية) مع تبيان استخدام تسمية اللغات الافروآسيوية كبديل لتسمية اللغات السامية- الحامية. وتتوالى الفصول الباقية حتى الفصل السابع تتابع اللغة السومرية باعتبارها كطبقة سفلى كامنة في اللغة العربية واللغات الافروآسيوية الأخرى. والدكتور المحجوب يشدد على أن (المقطع الجذري) هو أصغر جزء من أجزاء المعنى التام المستقل الذي تتحلل إليه الجملة، وليس كما كان يعتقد بأن (الكلمة) هي أصغر جزء. ويشير إلى أن اللغة العربية ذات طبيعة مقطعية تم اختزالها بتغليب الحركات الذي أدى إلى أسلوب في التصويت وتقدير الصوامت التي حلت إلى الأبد بدلا عن المقاطع. ومع أن اللغة العربية قد تبلورت في الألف الثالث قبل الميلاد لكنها أكملت نضجها بظهور القرآن الكريم الذي يقول عنه المحجوب بأنه امتص لهجات وثقافات العرب القديمة فحل بديلا عنها دون أن ينفيها. ختاما نقول إن اللغة بحر عميق السواحل استطاع العالم اللغوي د. عبد المنعم المحجوب بعلمه وبفضل اختصاصه الدقيق أن يعوم ببراعة في أعماقه. بارك الله في بلد أنجب علماء من هذا الطراز.
المصدر:  2/ 8/ 2010  
الانتشار والتحوّل في نظرية المحجوب حول الجذور السومرية للغة العربية

من سومر إلى كنعان إلى العرب

د. عبد السلام أبو زكري شرماط
باحث وأستاذ جامعي- المغرب
أن نصدر أحكاماً على عمل ما دون قراءته، معناه أننا نمارس لعبة الذوق بمقياس السماع بعيداً عن كل موضوعية ودقة منهجية، وهما شرطان أساسيان من شروط الدرس النقدي، والخروج عن هذه الدائرة يؤدي أحياناً إلى حكم نقدي قد يشوه الحقيقة العلمية في فرضيتها أو طرحها أو نتيجتها، لهذا تقتضي الضرورة المنهجية تناول كتاب (ما قبل اللغة.. الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية) بالدرس والقراءة قبل إصدار أي حكم ينبني على القبول أو الرفض.

إن المسلمة التي أنطلق منها، بل أومن بها، وأنا أتمعن في نظرية عبد المنعم المحجوب اللغوية، هي أن اللغة نسق قابل للتغيير وأن تغيره يقع في الكلام، والكلام حسب ف. سوسير هو نشاط فردي في ظل جماعة يتواصل معها، وإذا ما انطلقنا من هذه المسلمة، فهذا يوحي بانتشار اللغة وتحولها عبر الفعل الإنساني من خلال رموز تترجم إلى معاني في الحياة.

وأعتقد أن فرضية الانتشار والتحول التي انطلق منها عبد المنعم المحجوب التي ترتكز على أن اللغة السومرية بنية تحتية تتوطن اللغة العربية، هي فرضية ستقود – ربما – إلى إعادة النظر في قواعد الدرس اللغوي وما وصلنا من تراثه، و لربما سيثير جدلاً لسانياً بسبب ما تنطوي عليه النظرية المحجوبية من طرح لغوي قد ينتج علماً جديداً أو يطور علماً قديماً، أو بعبارته: (إن بحثا على هذا النحو سوف يصعد الجدل اللساني لينتج علماً جديداً أو يطور علماً قديماً، تتغير فيه اليقينيات، وتتبدل فيه القراءات، ومن الترجيحات التي تحضرني الآن أن يتغير اتجاه هجرة اللغات الهندوأوروبية، لينقسم إلى اتجاهين، يبدأ الأول باتجاه السنسكريتية شرقاً، متزامناً مع اتجاه ثان إلى الغرب، بدءا بالسومرية) (ص164).

وكما تنبأ الباحث، انطلق الجدل اللساني في عدد من الورقات نشرت بجريدة القدس العربي وفي أعداد مختلفة، وتوزعت الورقات في تناولها للطرح اللغوي الجديد بين الترحيب والرفض والاستفهام.

(ما قبل اللغة) كتاب ضم بين دفتيه سبعة فصول مسبوقة بتعاريف وتقديم، ثم خلاصات واستشراف، شملت التعاريف الحرف والحركة والمد والسكون والضميمة والنقحرة والصورفة، اعتمدها الباحث قصد إبراز دور الصوت في التغير اللغوي، وهو تغير أصاب سلسلة من الألسن الأفروآسيوية، فالسومرية هي مقاطع توطنت في الأكدية والمصرية واللغة العربية، وذلك عبر التدرج والتحول.

وكان هذا الطرح القديم في مادته، الجديد في منهجه، مؤشراً ينبئ بما أغفله علماء اللغة والحضارات القديمة، محاولاً ربط أصول اللغات المذكورة بجذور اللغة السومرية التي شهدت انتشاراً ومن ثم تحولاً، سافرت فيه مفرداتها أصواتاً ومقاطع لتتوطن في معاجم لغات أخرى. وأبان الباحث أن الفعل التاريخي له دوره لا محالة في هذا الانتشار، إذ تحدث في الفصل الأول من الكتاب عن العصر شبه التاريخي الذي حصره في أدوار، لكل دور خصائص يتميز بها عن غيره (دور سامراء، دور حلف، دور العبيد ، دور الوركاء)، ولعل غوص باحثنا في حقب تاريخية موغلة في القدم، إنما كان يهدف إلى البحث عن جذور اللغة الأولى التي كانت في بداية تكونها رسوماً ونقوشاً تمثلت في مثلثات ومربعات ونجوم وأشكال هندسية أخرى كانت تحاكي فعل الإنسان وحركاته، نشاطاته وعبادته.

وتضمن الفصل الثاني من الكتاب (السومريون) تناولاً تفصيلياً لأسماء سومر، إذ قدمه لنا الباحث بعلامات مسمارية هي: ( كِ.ءِنْ.كِ) ki.en.gi، وبين المقاطع الجذرية التي يتكون منها هذا الاسم، والمعاني والدلالات التي أخذها، ليخلص إلى أنه يعني: (بلاد السادة الأصلاء).

إن عملاً قائماً على تفكيك مقاطع سومرية، إنما هو عمل كان يمهّد به الباحث لتأكيد فرضية الجسرنة القائمة بين المقاطع السومرية وما تلاها من اللغات ومنها اللغة العربية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، كلمة (كنانك) ka.na.ang، وتُقرأُ حسب الباحث بحذف الصامت الأخير (كنآن)، وتشي لديه باسم (كنعان) (ص63). ليجسّر الهوة بين السومريين والكنعانيين والعرب (حوار في صحيفة أويا/ 17 ديسمبر 2008)

وربما كان لهجرة الأصوات ونحتها عبر التاريخ والتحول أثر في النطق والكلام، والسبب يرتبط عادة باحتكاك الجنس البشري بعضه ببعض. لقد أدى التمازج البشري إلى نتاج لغة سومرية شهدت مقاطعها عبر الانتشار هجرة إلى لغات أخرى، صنفها الباحث في الفصل الثالث من الكتاب إلى ضمائم تكاد تلتقي من حيث المعجم والصوت، وتدل على وحدة داخلية واضحة (ص97)، موضحاً أن ثمة حراكاً لغوياً - اجتماعياً بين الفضائين الجغرافيين الآسيوي والإفريقي، أسهم على مدى فترات من التاريخ في انتشار وتحول لغوي من خلال الهجرة والتمازج البشري. واستند في تعليل صدق فرضيته على آراء بعض الدارسين مثل جورج رو، (إن رو يضع حلاً مفاده أن السومريين كانوا نتاج تمازج عدد من الأجناس التي توطنت المنطقة على مراحل مختلفة) (ص65). بالرغم من أنه لا يوافقه على تحليله اللغوي لاسم سومر، كما مرّ أعلاه.

ومن ثمة توجه الباحث للحديث عن مراحل تطور الكتابة المسمارية، مبيناً بعض خصائص اللغة السومرية من خلال عرضه لحقل معجمي سومري ينهض على مقاطع مكتوبة بعلامات سومرية وما تعنيه في اللغة العربية، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على تجول باحثنا بشكل موسع بين دفات المعاجم العربية باحثاً عما يلتقي دلالياً وصوتياً مع مقاطع سومرية، هذه اللغة التي كلفته سنوات طوال من التعلم والدرس والسؤال.

ويكاد يكون الفصل الرابع من الكتاب غاية في الأهمية من الدرس، وذلك لما ينطوي عليه من جهود تظهر في إعادة قراءة اللغة السومرية عبر مستويات صواتية، مبرزاً مظاهر التحول في بنية المفردة السومرية بغرض إعادة ترتيب هذه المفردة من حيث الصوامت والصوائت، وتوجيه نظرية هالران، وبالتالي يقدم نسقاً لغوياً سومرياً يعكس بشكل أو بآخر تشكيلة الحياة السومرية التي عرضها تاريخيا فيما تقدم.

إن الدراسة الصوتية التي عمل الباحث على إعادة تنسيقها، فسحت أمامه المجال لإيجاد الروابط الصوتية الموجودة بين السومرية واللغة العربية، وتوصل إلى النتيجة التي بنى عليها فرضيته وهي أن اللغة السومرية طبقة تحتية تتبطن في دواخل اللغة العربية (وعندما نقول إن اللغة السومرية كامنة كطبقة تحتية في العربية، فذلك يعني أن العربي إذا تلفظ بكلمة، فإنه يقول كلمتين وثلاثة وربما أربعا من السومرية، دون أن يتبين الجذور المقطعية السومرية التي توطنت في جذور المفردات العربية، وتلاشت في الاشتقاق) (ص150). واستدل الباحث على قوله هذا بأمثلة منها كلمة كتب، إذ تتكون سومرياً من ثلاثة مقاطع هي:

ك ka = فم ، كلام.
ت ta = بواسطة.

ب ba = وهي أداة خشبية لكشط ألواح الطين والرقن والنقش عليه، ومن ثم فعل كتب يعني الكلام بالقلم. (ص 150) إلا أن السومريين عرفوا كلمة (كَتَبْ) بمعنى: العيي أو العاجز عن الكلام (ص 151). ومثلها كلمة (كَلَم) التي يقول أنها متكونة من مقطعين هما:

كَ ka = فم، كلام.
لَمْ lam = كثرة، استرسال.

بينما خصّص السومريون كلمة (كَلَمْ) للدلالة على الأرض إجمالاً، وهي العربية (كُلام)، وإن خصصت لنوع واحد من الأرض.

وإذا سلمنا بهذا الطرح، يمكننا التساؤل إذن عن التعدد الدلالي في اللغة العربية وتنوعه، بمعنى هل يمكن القول إن تعدد المقاطع التي تتكون منها الكلمة العربية الواحدة هو في باطن لغتنا تعدد للمعاني التي تأخذها كلمة عربية واحدة؟

ويعد الفصل الخامس (نحو معجم اشتقاقي سومري عربي) قاموساً معجمياً، وضعه الباحث نتاجاً لفرضياته التي انطلق منها باعتماده على الدرس التاريخي والدرس الصوتي، بوصفهما مجالين يبينان مظاهر التحول والانتشار من السومرية نحو العربية.

وركز في الفصل السادس على ظاهرة النفي في اللغة السومرية، والممثلة في صوت النون، أو ما أسماه بنون البداية، وهنا يحضرنا سؤال، هو لماذا تناول الباحث تحديدا nu على اعتبار أن النفي (ن) يكون في أول المفردة السومرية ظاهرة النفي، هل هي ظاهرة تتفرد بها السومرية؟ أم يقصد الباحث أن النفي مستمد من السومرية؟

أما الفصل الأخير من الكتاب والذي صاغه الباحث في شكل مقاربات بين سومر ومصر، فنرى فيه ما يثير بعض الجدل والمناقشة.

إن الفرضيات التي انطلق منها الباحث، هي فرضيات جديدة في طرحها، وتستحق التقدير للباحث بفضل ما امتلكه من جرأة سمحت له باختراق الدرس اللغوي العربي بأصوله وقواعده أملاً في التجديد أو التطوير، واعتمد في طرحه على قراءة التاريخ، والنظام الصوتي، بهدف التأسيس لمعجم سومري عربي، وإن كان هذا التأسيس لا يخلو من تخمينات فردية، يمكن أن نسميها اجتهادات تفرد بها الباحث، ولا نرى في هذا إثماً ما دام يمتلك من قواعد اللغتين ما يمتلك. وبين هذا وذاك، فإن باب الطرح ما يزال مفتوحاً أمام قراءات متعددة من أهل التخصص.

إن استمرار هذا الجدل يدلّ على الصدمة المعرفيّة التي أنجزتها أطروحة الجذور المقطعية السومرية، حتى ليصح وصفها بأنها تقلب المعطيات العلمية المتداولة رأساً على عقب، فالسومرية كما يعرف الجميع لغة لا صلة تربطها بأيّ من اللغات المجاورة لها، معجمياً وصرفياً، ولكن دفاع المحجوب الرئيسي هو أننا حتى الآن لا نفكّر من الناحية المنهجية سوى في مستوى من البحث الفيلولوجي نريد للغات أن تتناسخ فيه، بينما نهمل الآليات المتشعبة للانتشار والتحوّل اللغويين وما يحدثانه من إزاحة دلاليّة، ولعلّ أكثر فرضياته إثارة للجدل تلك التي يقول فيها ان اللغة العربية كانت في مرحلة من مراحل تطورها لغة مقطعية، كالسومرية تماماً، إلا أن العرب لم يعرفوها إلا في شكلها الاشتقاقي الذي أثبتته المعاجم العربية.. للمزيد شبكة الفصيح
المفكر عبد المنعم المحجوب والخروج على المألوف

د. مجيد القيسي
أكاديمي عراقي - كندا

 تتميز كتابات المفكر العربي المعروف الدكتور عبد المنعم المحجوب على كتابات المفكرين العرب المعاصرين بالإثارة والتفرد وبالخروج على النسق العام المألوف وذلك في تناوله لعدد من المسائل في ميادين الفكر العربي، وخصوصا في مسألتين خطيرتين تتعلقان بنشأة اللغات السامية (كما اصطلح عليها حديثا)، وقوله بالأصول السومرية لشعوب منطقتنا العربية.
والواقع، فإن ما يطرحه (المحجوب) يندرج ضمن الإطار الفكري/ الفلسفي القائم على التحكيم العقلي والنظرة الفلسفية المجردة لفرضياته غير المألوفة ( حالة ما قبل اللغة مثلا ) اكثر من اعتماده على النظريات العلمية السائدة والمؤسسة على التجربة، وان كان يستعمل مخرجاتها احيانا كبراهين لإثبات فرضياته الفلسفية. فهو طالب فكر وفلسفة اكثر منه طالب علم تجريبي. فتراه يلتقط بضعة احجار من هنا وهناك ليشيد منها قصرا منيفا جميلا في الفضاء. ومع ذلك، فلا احد ينكر على الكاتب قدراته الفذة في اللعب بورق المصطلح والرمز والتحليق في فضاء التجريد الفسيح، ذلك الفضاء الذي اتخذ منه لنفسه ملاذا آمنا لدرء اية ملاحقة علمية وموضوعية قد يتعرض لها في مستقبل مبارياته الفكرية.
ففي المقابلة التي اجراها معه السيد (وليد الزريبي) يوم الاول من تشرين الأول (اكتوبر)، 2009 ونشرتها جريدة ' القدس العربي ' الغراء، فجر الكاتب جملة من المسائل الجدلية لم يجد ما يسعف موقفه في ما كتبه علماء سومريات عراقيون معروفون مثل (فاضل عبد الواحد) او (فوزي رشيد) او (بهنام ابو الصوف) ولا حتى من الراحلين امثال العالم الكبير (طه باقر). ولا اظن ان ما نشره علماء السلالات او الأجناس (شاكر مصطفى سليم) اوعلماء الإجتماع (علي الوردي)، او التاريخ القديم والآثار (جواد علي او سامي سعيد الأحمد) ما يعزز اقواله تلك إلا في حدود العموميات. ولا يبتعد رأي العلماء العرب والغربيين كثيراً عن رأي العراقيين.
فنحن لو اعتمدنا ما قاله عن السومريين من حيث دورهم الثقافي/ اللغوي الرائد في ارجاء المنطقة، بل وفي عالم ذلك العصر، لوقفنا جميعا الى جانبه مصفقين مبتهجين. لكنه بتحليقه في اجواء التجريد والخيال والاستلهام والتعميم وفي مواضيع قامت أصلا على التنظير والتجريب قد حشر موضوعا صاحيا متوهجا في ثقب أسود لا خلاص منه. فهو كثير اللعب والمناورة بالمصطلح ليعزف على اوتار العقل التجريدي وبألحان غريبة غير مألوفة، لكن بعضها مثير وكثير الجاذبية بلا شك.
والذي اثار كل تلك الضجة ان الكاتب قد ركب فرسا بريا جموحا لا يمكن لجمه او قياده، وهو موضوعة السومريين وبدايات نشأتهم وأصولهم، ومن أين جاؤوا ومتى جاؤوا، وطبيعة لغتهم الأسطورية الساحرة، باعتبارها اول لغة نقلها إنسان من اللسان الى الواح الصلصال. هذا فضلا عن التعقيد الشديد الذي اعتور اللغة نفسها، من حيث القواعد والأبنية والدلالات، باعتراف اكثر علماء السومريات صيتا ومعرفة. وهذا الوصف المثير بالذات هو الذي جعل من الموضوع السومري اقرب الى الأساطير وحكايات الملاحم وقصص الخيال العلمي منه الى موضوعات اللغة او التاريخ او الآثار، حتى صار ذلك الموضوع التاريخي وقودا لخيال الحالمين والرومانسيين، وفيهم الدكتور المحجوب. فاليوم اصبح الكل يتحدث عن السومريين ويرنو الى رايتهم الخفاقة التي ستعيد الى العراق الخاتم الأسطواني السحري الذي نقشت عليه كلمة (أُروكْ) الخالدة والذي سرقه لصوص التاريخ تحت جنح الظلام.

ويلاحظ المتتبع ان الكاتب كان شديد الخلط بين العلمي والفكري والفلسفي والسياسي والإعلامي . وكذلك بين البديهي والبرهاني . والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن الصيحة الفلسفية / السياسية / الإعلامية كانت هي الأعلى نبرة. وكثيرا ما استعمل المقصلة لقطع قطعة جبن طرية. فهو شديد الإعجاب بالألفاظ المثيرة: (اللغة الإنكليزية لغة غير حضارية ووقحة وعارية. ونحن ننتحر جماعيا لأننا نتصور العالم انعكاسا لنا....الخ).
لكنه مع هذا تحاشى ذكر اسباب وقاحة (الإنكليزية) وانتشارها الكوني وصلة ذلك بفضائها اللغوي/الاقتصادي/ السياسي/ العسكري، ومقارنتها بجبن (اليونانية) ؛ لغة الفلسفة والعلوم طوال قرون، وفقر المتحدثين بها. ناهيك عن اللغة العربية العريقة الشامخة، رغم الشيخوخة وسن اليأس. كما انه لم يشر الى (جبن) اللغات (اليابانية) و(الصينية) و(الكورية) ذات الطابع الصوري / المسماري المتشابك، وكيف حققت المنجز العلمي/ التقني/ الاقتصادي/ المذهل رغم ذاك.

ان قول الدكتور المحجوب بان اللغة العربية ( واللغات السامية مجتمعة) قد نشأت من جنين السومرية قول افتراضي ومجرد، وان ما يدعمه من شواهد لغوية محدودة لايكفي لدعم ذلك الافتراض. فمما لا شك فيه ان اللغة السومرية لغة غائرة في الأزل ومنجز بشري مدهش. وهي تشير الى عظمة أولئك الذين ابتكروا انظمتها الصوتية والرمزية واختاروا دلالاتها بدقة متناهية، حتى صار للهمهمة لديهم معان . فهي، وبعد انقضاء مرحلتي الشباب والاكتهال، قد اكتملت قيافتها الى ما اصطلح عليه بالنظام الإلصاقي/ المقطعي المتعارف عليه الآن. وهو النظام الذي تتبعه اللغات الهندية / الأوروبية المعاصرة ومؤونته وعدته وحدات بنائية اسموها بالسوابق واللواحق والحشوات.

ويختلف هذا النظام، كما هو معلوم، عن النظام الاشتقاقي/ الصرفي (المورفولوجي) السائد في اللغات السامية، وفي مقدمتها اللغة العربية التي تتفوق على اخواتها الساميات بثراء الأصول اللفظية وبسعة الدلالات وبحيوية القواعد، وبالعمق التاريخي، مع وجود مشتركات كثيرة بينها. ويمكن الادعاء بأنه لا العربية هي لغة اشتقاقية بحت ولا السومرية هي لغة الصاقية بحت. ولعل هذا الخيط الرفيع هو الذي شد من عزيمة الكاتب لإثبات النسب السومري لجميع لغات المنطقة. فالمحجوب، ولكي يخرج من دائرة الحرج المعرفي، قد ذهب بعيدا نحو فضاء (ما قبل اللغة) ليحلق وحيدا دون ان يترصده أحد من علماء الالسنيات.

والحقيقة ان لا أحد يعلم يقينا ماهية خصائص ذلك الفضاء التجريدي المتخيل. فعلماء اللغات السامية قد رجحوا بأن جميع تلك اللغات قد ولدت من رحم لغة سامية بدائية او اولى اطلقوا عليها مصطلح (بروتو سيميتك)، وهي ليست السومرية المعروفة على اية حال. اما القول بان هناك تلاقحاً وعلاقات دينامية بين السومرية واخواتها الساميات فأمر لا ينكره احد، إذ لا يمكن ان تتساكن جميع تلك اللغات في منزل واحد من غير علاقات حميمة وربما مصاهرة. ومع كل ذلك تبقى السومرية المنقوشة على الرقم الصلصالية تغرد الحانها الخاصة في عالم الألسنيات وبمفردها.

وهنالك من الشواهد ما يشير الى ان البناء الجملي العام للغة السومرية اكثر قربا من لغات هندية / اوروبية معروفة كالسنسكريتية والإغريقية منها الى ابنية اللغات السامية. ولقد وجدنا اثناء عملنا على (المعجم الكيميائي الجامعي) الذي استغرق انجازه عدة عقود من السنين أن ابنية المصطلح الكيميائي الدولي (المقطعي)، ولغته الاصلاحية الغالبة هي الإغريقية / اللاتينية، تكاد تتطابق مع أبنية المصطلح السومري المقطعي الى حد مدهش. وقد افادنا ذلك، وبلا حدود، في بناء المصطلح الكيميائي العربي المعياري الذي شيد على كلا النظامين؛ الاشتقاقي والإلصاقي معا، مستخدمين الأدوات العربية. ولعل في الأمثلة الثلاثة الآتية ما يقرب الصورة من القارئ الكريم:

تسمى السومرية شجرة الياس: ('يش- شم- 'ير). والاسم له ثلاثة مقاطع، ومعناه (شجرة- رائحتها- زكية). و('يش) رمز لصنف الشجر. ويلاحظ هنا ان المصطلح قريب من الجملة التفصيلية الوصفية.

وهو ما نلاحظه تماما في الألوف من المصطلحات العلمية الدولية المركبة. ولا مجال لذكر الأسباب.

ونجد في الإغريقية / اللاتينية المصطلح الطبي البسيط الآتي:

(هاي'ر- 'لايس- إيم- إيا)، وهو مكون من اربعة مقاطع، حيث تمثل السابقة (هايبر) رمزا لنوع من الخلل الوظيفي في جسم الإنسان نتيجة لـ (زيادة) السكر الأحادي في الدم، بينما تمثل الكاسعة (إيا) رمزا للخلل او المرض بوجه عام. وهو في الأصل اللغوي علامة اسمية او مصدرية. ويقابله في العربية العلمية المنهجية، ولفظا بلفظ: (افراط - ية - سكر- الدم). حيث قابلنا (هايبر) بـ ( إفراط) و (إيا) بـ ( ية)، وهي في العربية علامة المصدر الصناعي الذي يشير هنا الى الخلل او المرض. لكننا نطلق على ذلك الخلل في الفصحى لفظة (السكري)، اي مرض (السكري ) وذلك على وجه الإيجاز. ويؤكد لنا كل ذلك مقدار التباين النسبي بين العربية التقليدية من جهة وبين السومرية والإغريقية من جهة أخرى رغم التماثل الشكلي. لكننا لو تفحصنا بناء المصطلح الكيميائي العربي المنهجي السابق لاكتشفنا، ومن خلال الألفاظ المتتابعة الأربعة، شيئا من الخصائص الإلصاقية، فضلا عن الخصائص الاشتقاقية الرئيسية لكل مقطع من المقاطع المذكورة. ولقد جرب هذا المنهج في بناء مصطلحات كيميائية شديدة التركيب مكونة من عدة مقاطع (على هيئة نعوت او متضايفات) متتابعة وبنوع من التلصيق المألوف. ولعل امثال تلك الشواهد وغيرها هي التي الهمت الكاتب فاسترشد بها لافتراض العلاقة اللغوية الجنينية بين السومرية وبين الساميات، وفي مقدمتها العربية.

ومن اجتهادات الكاتب المحجوب اللغوية المبتكرة الأخرى ما ذكره عن التحول اللغوي/ الدلالي لألفاظ مثل (رجل، ملك، إنسان، لغة....الخ) وضمن دائرة اللغة السومرية وجاراتها الساميات، وما اكتشفه من شواهد عن العلاقة التكوينية والأسرية بين جميع تلك اللغات. وقد نضيف بان مثل هذا الاستنتاج ينطبق ايضا على الفاظ منفردة كثيرة من نحو (ايل، ايلو، الله)، وهي الفاظ مشتركة بين السومرية والساميات.

وقد نجد مثل تلك العلاقات ايضا بين المئات من الألفاظ المشتركة بين لغات متباينة في زمننا الحالي. فلو اخذنا كلمة (كتْ) الانكليزية وكلمة (قط ّ) العربية مثالا، وكلتاهما تحملان نفس الدلالة، فليس بمقدور احد ان يعرف ان كانتا لفظتين مختلفتين او لفظة واحدة مهاجرة، فعليه يصبح من العسير على الباحث ان يقطع بالأصل الواحد لهما. فمثل هذا الاستنتاج لا معنى له وليس بذي قيمة علمية طالما ان كلتا اللفظتين قد اكتسبتا هوية مختلفة، وان عليهما الخضوع الى قواعد وانظمة لغوية اخرى. كما انه ليس من المفيد ان يزعم الكاتب او غيره بعد حين بان (كتْ) عربية، او يزعم غيرنا بأن ( قط ّ ) انكليزية، وذلك في غياب الشاهد اللغوي/ التاريخي القاطع. ونجد في العربية ايضا الفاظا مثل (ناورَ، مناورة، مُناور) و(تفلسف، فلسفة، فيلسوف) و(فهرس، يفهرس، فهرسة)، وهي بالقطع ليست بعربية الأصل وانما اكتسبت سمات اللغة العربية وخضعت الى انظمتها بعد الهجرة. لكننا عند التأصيل وفي سياق البحث اللغوي/ التاريخي لا بد من تثبيت مولدها للأغراض الأكاديمية.

وعلى نفس النهج يمكن القول بان وجود المئات من الألفاظ العربية في معجم اللغة الفارسية (الهندية / الأوروبية) لن يجعل من اللغة الفارسية فرعا من العربية بأية حال. كما لا يجوز الادعاء بأن منظومة القواعد في كلتا اللغتين واحدة نظرا لوجود هذا العدد الكبير من الألفاظ المشتركة.

خلاصة القول، فان ما يجمع بين الألسن هو النظام اللغوي وحده وليست كثرة الألفاظ المشتركة بينها. كما ان تنقل الألفاظ بين الثقافات المختلفة لا بد ان يفيدنا في فهم امور قد تتجاوز محيط اللغة والثقافة بأشواط. لكن علينا ان نكون متيقظين من خطواتنا وعدم القفز في المجهول.

والآن لنعرج نحو محور آخر دارت حوله فرضيات الدكتور المحجوب وهو قوله بأن (اليهود جزء تاريخي من الأمة العربية) و(العرب واليهود هما جزءآن من تاريخ واحد). وليعذر الكاتب الفاضل جرأتي إن قلت بأن هذا الكلام الفضفاض هو من سلع السياسيين لا من نتاج المفكرين. وقد يكون هذا الإعلان مطلوبا احيانا، طالما ان جياع العرب ينتظرون طبخة (البحص) هذه حتى تنضج.

والواقع، فان مثل هذا القول لا يمكن ان يحشر ضمن أي من الأطر او المقاربات العلمية والاصطلاحية التي تبحث في شؤون الأقوام وأصولها إلا ضمن المنظور الجيوسياسي. فلو كان الكاتب قد استبدل اصطلاح (اليهود) بإصطلاح (العبرانيين)، وهو يتحدث كمفكر، لظل ضمن تلك الأطر والمقاربات المنوه بها. فالمصطلح العلمي هو المنار الذي يهتدي بشعاعه المفكر او العالم للوصول الى المرسى بسلام. وقد لا اشك بان ما قصده المفكر محجوب بـ (اليهود) هو مصطلح (العبرانيين). ولعلها عثرة فارس في ساحة وغى.

وحتى على افتراض بأننا قلنا بتطابق مصطلحي (اليهودي) و(العبراني)، فان قولنا هذا لا يصح إلا في نطاق مراحل تاريخية معينة، يوم كانت اليهودية دين العبرانيين الساميين وعلى مدى قرون طويلة، لكنها لم تعد كذلك الآن.

لكنني قد اجد نفسي قريبا من الكاتب، وفي واحات متفرقة من التاريخ العربي/ العبراني المشترك، وقبل ان تفتك السياسة بالجميع، حين شاهدنا كيف كان يعيش العرب واليهود (العبرانيون) في طول البلاد العربية وعرضها، أصدقاء وجيرانا واصهارا.

فقد كنا في العراق نستمتع بموسيقى صالح الكويتي مثلما كانوا يطربون لمقامات محمد القبانجي، وينصتون الى شعر الجواهري مثلما نستمع الى شعر مير بصري، ويدرسهم العربية صادق الملائكة كما يدرسنا الرياضيات عبد الله عوبيديا. بل ان تجاربي الحية قد توغلت بعيدا في شرايين بغداد العريقة...الى (رفقة) ؛ تلك المرأة اليهودية الرائعة التي ارضعت طفلا يتيما من عشيرتي بعد ان توفيت والدته (المسلمة) أثناء الولادة المتعسرة. وقد اذهب شوطا ابعد لأعلن بأننا حين كنا طلابا ونحضر درس الدين كنا نهرع، وبعفوية، لنستمع بخشوع الى آيات من القرآن الكريم، مسلمين ويهودا ونصارى ومندائيين. وكان اليهودي ابن بغداد حين يُسأل عن هويته يقول (يْهودي عُرْبي)، واذا كان من ابناء السليمانية يقول (يْهودي كُرْدي). هكذا كان العراقيون يتمايزون قبل حصول الطوفان الثاني الذي جرفت اطيانه واوساخه جميع تلك القيم الأصيلة.

بعد هذا كله، وبعد ان تحولت اليهودية (الموسوية) الى دين تبشير وعقيدة استيطان ونظام (ابارتيد)، تغيرت سحنة اليهودي العبراني من اللون الحنطي السامي المحبب الى بياض الشحم الملطخ بحمرة قانية.

وحتى لو قبلنا نحن العرب بمقولة ان (العرب واليهود جزآن من تاريخ واحد)، بمعنى أننا ابناء عمومة، فان حكام اسرائيل ومعهم الكثير من سكانها المنسوخين سيعتبرون هذه الخطوة الإنسانية (التصالحية) اهانة قاسية بحقهم، يوجهها اليهم (سقط!) البشر من (ال'وييم!). فالكيان الإسرائيلي لم يحتل ارضا لغيره، ولم يشرد شعبا عريقا ليفرغ محلهم كتلا من الشحم الأبيض المصبوغ بحمرة الدم، ولم يرتكب جرائم حرب وإبادة، وحسب، بل انه قد انهى حلما ورديا عذبا لثلاثمئة مليون من الساميين، وسرق منهم تاريخا إنسانيا حافلا متوهجا عمره أكثر من ستة آلاف عام. الرابط: منتديات الهمله الشاملة

1.11.09


توجد كتابة سومرية ولا يوجد قوم سومريون

د. عثمان سعدي ود. عبدالمنعم المحجوب
بقلم: د. عثمان سعدي
رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية

قرأت بتمعن مقال الأستاذ سامي مهدي «السومرية والعربية لغتان مستقلتان مختلفتان» في القدس العربي (عدد 20/11/2008)، والذي ناقش فيه كتاب الدكتور عبدالمنعم المحجوب الذي يرى أنه توجد جذور سومرية في اللغة العربية. ولعل أفضل باحث عراقي حديث تناول المسألة السومرية هو الدكتور نائل حنون الأستاذ في قسم الآثار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق، فقد نشر بحثا قيّما عنوانه «بلاد الرافدين القديمة، ثنائية لغة في النصوص المسمارية، ووحدة قوم على الأرض» في حولية مجمع اللغة العربية بطرابلس- ليبيا، العدد الثالث، الصادر سنة 2005 ينكر فيه وجود قوم سومر، ويرى وجود كتابة سومرية استعملها الأكديون.

وحتى يطلع قراء القدس العربي على هذه المسألة رأيت أن ألخص ما كتبه الأستاذ نائل حنون حيث يقول:

لقد أدى اكتشاف مكتبة آشور - بانيبال في أواسط القرن التاسع عشر إلى تحقيق تطور كبير في علم المسماريات، فمن خلال نصوص هذه المكتبة اتضح أن الأشورية والبابلية لهجتان من لغة واحدة عرف فيما بعد أنها الأكدية.

يرى جوزيف هاليفي أنه لا يوجد دليل واضح على وجود السومريين، وأن اللغة السومرية كانت لغة سرية من ابتكار البابليين أنفسهم لأغراض دينية وشعائرية.

إن لقب [بلاد سومر وأكد] لم يستعمل للدلالة على مفهوم قومي أو جغرافي بقدر ما استعمل للدلالة على بسط السلطة مثل بقية الألقاب الملكية القديمة.

إن الأسئلة المعقدة التي لم تزل بلا أجوبة لا تقتصر على المسألة اللغوية فقط وإنما تمتد لتشمل طبيعة العلاقة بين السومريين والأكديين فيما إذا كان الأولون هم أصحاب الابتكارات الحضارية، والأكديون اقتبسوها وطوروها، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو هل يمكن إثبات أن حضارة بلاد الرافدين ذات المظاهر الواضحة والمتسقة هي نتاج جهد قومين مختلفين عن بعضهما بعضاً؟

لقد توصل أحد علماء المسماريات الكبار في القرن العشرين وهو بينو لاندزبيرجر إلى أن هناك كلمات ذات دلالات حضارية مهمة وكانت تعد سومرية، لأنها ظهرت أولا في النصوص السومرية في الألف الثالثة قبل الميلاد، لا تعود إلى اللغة السومرية إطلاقا، ومن السومرية انتقلت إلى اللغة الأكدية لاحقاً. والدليل الرئيس الذي استند إليه لا ندزبيرجر في رأيه هذا أن تلك الكلمات تتألف من مقطعين أو أكثر وهذا ما يختلف عن الكلمات السومرية التي يتألف معظمها من مقطع واحد فقط، كما أنه توجد خصائص لفظية في تلك الكلمات وخصوصا في نهاياتها غير مألوفة في الكلمات السومرية. وقد أجمع المختصون على تأييد رأي لاندزبيرجر الذي أرجع أصل هذه الكلمات إلى قوم مجهولين اعتبر أنهم سبقوا السومريين والأكديين في السكنى في جنوب بلاد الرافدين. ولم تقتصر هذه الكلمات على عددها الكبير وإنما على كونها أيضا تشمل أسماء معظم المدن الرئيسية القديمة في جنوب العراق، وهي المدن التي كانت تعتبر سومرية، فضلا عن أسماء أهم المهن والصناعات، وهذا ما يدل على أن أولئك القوم الأوائل كانوا هم بناة حضارة بلاد الرافدين وليس السومريين.. ولا بد لنا هنا من أن نشير إلى أن الاطلاع على هذه الكلمات يفصح، منذ الوهلة الأولى، عن أصول عربية قديمة، وأن عددا منها مشترك مع اللغة العربية لفظا ومعنى... يثبت بحث ثوركلد ياكوبسن عدم حدوث أي صراع بين السومريين والأكديين على أساس الاختلاف القومي. إن الصراعات والحروب المذكورة في النصوص المسمارية لم تكن، ولا حتى في حالة واحدة، بين السومريين والأكديين باعتبارهم يمثلون قوميتين مختلفتين، وإنما كانت بين مدينة وأخرى دون أن يكون لذلك علاقة بالانتماء القومي لسكان أي من المدينتين.

يؤكد الدليل الأنثروبولوجي أن الهياكل العظمية المكتشفة منذ أقدم العصور في بلاد بابل تنتمي إلى النوع المعروف بالفرع الشرقي لعنصر البحر المتوسط، أي أنها تماثل الأقوام البدوية في شبه الجزيرة العربية، ولم تظهر هياكل من النوع ذي الرأس الدائري الخاص بأقوام وسط آسيا.

وحتى في مجال الكتابة أصبح جليا أن الدراسات العلمية الرصينة لا تميل إلى قبول الرأي القائل بأنها من اختراع السومريين. ومن هنا فإننا نميل، بدليل ما تقدم، إلى الاعتقاد بعدم وجود شعب يختلف قوميا عن الأكديين بهذا الاسم. وأما اللغة السومرية فلدينا ما يكفي من الأسباب التي تجعلنا نذهب إلى أنها لغة وضعت من قبل الأكديين لغرض التدوين قبل أن يتمكنوا من ابتكار وسيلة لتدوين اللغة الأكدية نفسها.

هذه خلاصة بحث نائل حنون، العالم العراقي المتخصص، ويا ليته يطلع على هذا النقاش ويناقش كتاب الدكتور عبد المنعم المحجوب.

ويتفق حنون مع العالم الجزائري اللغوي الدكتور عبد الرحمن بن عطية في كتابه القيم (تاريخ العربية، لغة العالمين) الصادر باللغة الفرنسية والذي عرضته في مقال نشر بالقدس العربي عدد 4/11/2007، حيث يذهب بعيدا فيؤكد من خلال مراجع أوروبية عديدة ونقوش: بأن اللغات العروبية [أي السامية وفقا للمصطلح الأسطوري] انتشرت من شمال بلاد الرافدين، نحو الشمال في القوقاز، وحوضي البحر الأسود وبحر قزوين بل وحتى الهند والصين؛ ونحو الشرق في فارس، ومصر وشرق إفريقيا، وشمالها باللغة العروبية البربرية التي انتشرت شمالا في أوروبا الغربية ؛ وانتشرت اللغات العروبية نحو آسيا الصغرى وشرق البحر المتوسط ومنه نحو أوروبا فاستوطنتها قبل غزو القبائل الهندو أوروبية بآلاف السنين، وقبل ظهور الحضارتين اليونانية والرومانية اللتين هما في أساسهما عروبيتان كما يبين ابن عطية. يؤكد ابن عطية أنه توجد علاقة حضارية بين الحضارات الثلاث الكبرى: حضارة بين النهرين بالعراق، وحضارة اليمن، وحضارة وادي النيل. ويرى بأن اللغة الأم أو الجذع المشترك عندما اشتقت منه اللهجات العروبية وانتشرت وابتعدت عنه، ونتيجة لعوامل جغرافية واجتماعية نشأت لغات عروبية اكتسبت صيغا جديدة لكن يبقى عمودها الفقري متضمنا لخصائص اللغة الأم. يقال أن السومريين هندو أوروبيون، وهذا الباحث الجزائري يرى أن أوروبا كلها كانت تتكلم لغات عروبية كالأشورية والبابلية والبربرية قبل آلاف السنين من غزو القبائل الهندو أوروبية أوروبا. ومن الغريب أن الإسكندر يلقب بذي القرنين، وأن القرن اسمه باللغة الأمازيغية ـ البربرية «إسْكْ».

صحيفة القدس العربي 29. 11. 2008


حول نظرية الأصل السومري للغات الأفروآسيوية
العرب وجريرة الاستشراق
رداً على سامي مهدي





وليد الزريبي


عقّب الأستاذ سامي مهدي (القدس العربي 22/11/2008) على مقالتي «حفريات جديدة تعيد ترتيب الذاكرة الإنسانية» (7/11/2008) التي عرضت فيها، بشكل مختصر، نظرية الدكتور عبدالمنعم المحجوب حول الأصل السومري للغة العربية واللغات الأفروآسيوية، والتي ضمها كتابه «ما قبل اللغة» الصادر مؤخراً عن دار تانيت.

أودّ أولاً أن أذكّر الأستاذ سامي بسؤال محيّر كان قد عرضه في مجلة نزوى (العدد 43) بعنوان: هل كتب البابليون أشعارهم الأولى باللغة السومرية؟ هذا أولاً، وسأشير ثانياً إلى المذهب الذي ذهب إليه الدكتور نائل حنّون عندما نفى وجود لغة اسمها السومرية، ليجعل منها مجرد لغة سرية ابتدعها الكهنة البابليون للتعبير بينهم دون إتاحتها للناس كافةً. هذا على سبيل التمهيد، وسوف أعرّج على هذين الرأيين في آخر هذا الرد. مذكّراً أنني إنما أعود إلى كتاب «ما قبل اللغة» في جميع النقاط المدرجة هنا.

1- هل العربية فرع من السومرية؟

يقول الأستاذ سامي: «أن تكون جذور اللغة العربية موجودة في اللغة السومرية يعني بشكل من الأشكال أن السومرية هي اللغة الأصل وأن اللغة العربية فرع من فروعها». لكن الدكتور المحجوب لا يطرح الأمر هكذا، بل يعتبر السومرية مضمّنةً في العربية وغيرها من اللغات الأفروآسيوية كطبقة تحتية substratum، مثلاً لو أخذنا كلمة «لغة» في حدّ ذاتها، فهي في تأثيلها السومري متكوّنة من «لُ» lu أي إنسان، و«گو» gu أي صوت، أو الفعل: يصوّت، يصدر صوتاً. فاللغة إنما هي صوت الإنسان، أو الإنسان إذا تحدّث. أي أن المقاطع السومرية هي التي توجد في الجذور العربية لا العكس.

لقد عرفنا سابقاً من الباحثين من عاد بكلمة «لغة» العربية إلى اليونانية «لوغو» logos ومنهم من عاد باليونانية إلى العربية بناء على التشابه اللفظي والدلالي بينهما، الجديد في نظرية المحجوب أنه يفكّك هذه الكلمة إلى مقطعين مما يسميه المقاطع الجذرية، أو الضمائم، وهي مقاطع مؤسسة للألفاظ في العربية والأفروآسيوية، إننا نستطيع هنا – ببساطة الاكتشاف وعمقه في نفس الوقت – أن نقول أن المقاطع السومرية الجذرية، المفردة والمثنّاة، هي أصل هذه اللغات جميعاً، ولنراجع مئات الأمثلة الواردة في الكتاب.. وبناء على ذلك ليست العربية فرعاً من السومرية، بالمعنى المعروف لكلمة فرع في تسلسل العائلات والضمائم اللغوية حسب تصنيفها، بل يعتبر المؤلف أن السومرية «حالة جنينية» للعربية، أي بالعودة بما يعرف بالتصنيف التطوري genetic classification إلى أصل أول مهجور أو مهمل، ولا عودة إلى أبعد من هذا الأصل لأنه مفكّك هنا إلى حدّ الفونيم المفرد، أو الحرف المجرّد.

2- من هم السومريون؟

ثمّ يواصل الاستاذ مهدي قائلاً: «وهذا يعني بدوره، أو ينبغي أن يعني، أن السومريين كانوا من سكان الجزيرة العربية وهاجروا منها إلى العراق، أو أن العرب كانوا من السومريين وهاجروا من العراق إلى جزيرة العرب، أو هو يعني في الأقل أن العلاقة بين السومريين وعرب الجزيرة كانت وثيقة جداً بحيث استطاعت اللغة السومرية أن تزرع جذورها، أو شيئاً من جذورها، في لغة العرب. ولكن الحقائق التاريخية هي غير ذلك. فلا السومريون كانوا من سكان الجزيرة، ولا سكان الجزيرة كانوا من السومريين».

فمن هم السومريون في نظرية المحجوب؟ يقول (ص 104): «السومريّون الأوائل كانوا قبل دور الوركاء خليطاً من الجماعات التي كانت تطوف المنطقة بحثاً عن أسباب التوطّن، ومن المستحيل بحث أصولهم العرقيّة، لأن المنطقة بأكملها لم تكن مهيّأة بعد في ذلك الزمن، لنشأة التجمّعات المدنيّة القارّة. فالأدوار الأولى ليست سوى «كومونات» تعتمد على الرعي وبالكاد انتظمت فيها الزراعة، كما أن الأرض (في الجزء الجنوبي من الرافدين) لم تكن سوى مستنقع كبير. وبافتراض ظهورهم بعد انحسار آخر عصر جليدي، وتوطّنهم في جنوب بلاد الرافدين، بشكل دائم، فإن زمناً طويلاً فصل بين نشأة وتطوّر اللغة السومرية، وبين ظهور وتطور الكتابة المسمارية التي مثّلت وقدّمت هذه اللغة. إذ في مرحلة مبكرة من النشأة، وقبل أن تتطور المسمارية إلى التدوين المقطعي، لا يمكننا تصور اللغة إلا كمزيج من الكلمات البسيطة التي تجمّعت بمرور الوقت وتفاعلت لتصبح في ما بعد لغة المجموعات البشرية التي ستسمى بالسومريين، بعد أن أخذت سياقاً منتظماً وبدأت أول محاولات تدوينها في المرحلة الصوريّة». وما نفهمه من هذا التحديد أن د. المحجوب ينفي التأصيل العرقي في تلك الأزمنة السحيقة، لأن هذا التأصيل هو نتاج حضاري لاحق لاستقرار المجتمعات وتطورها ونشأة ومعرفة الرابطة القومية التي تجمعها، لكننا نفهم من ناحية أخرى أنه يفترض أن السومريين هم أول من توطّن بلاد الرافدين، وأنهم – وفقاً لنظريته اللغوية – هم الأسلاف القدامى للعرب.. أي أجدادهم الذين ألقوا إليهم بلغتهم ودياناتهم ورؤيتهم في الحياة.. العرب – وفقاً لذلك – يعودون إلى 12 ألف سنة من التاريخ.

3- العربية وصفة الإلصاق

يقول الأستاذ سامي: «اللغة السومرية لغة إلصاقية وليست هجائية كاللغة العربية، أي أن جملتها اللغوية مركبة من مقاطع يلحق بعضها ببعض حتى يكتمل معناها. وحروف العلة في هذه اللغة أربعة هي : a, e, i, u. أما حروفها الصحيحة فهي خمسة عشر حرفاً فقط. ذلك أنها تفتقر إلى الكثير من هذه الحروف وأصواتها، وخاصة الحروف الحلقية والمفخمة كالثاء والحاء والخاء والذال والزاء والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف والهاء، وهذا ما حرمها من الكثير من القيم الصوتية الموجودة في اللغة العربية وفي سائر اللغات الجزرية».

ولا جدال في أن السومرية لغة إلصاقية تعتمد على ضم مقطعين أو أكثر لتكوين كلمات جديدة، لكن المثير لدى عبدالمنعم المحجوب هو ما يتوصل إليه من أن اللغة العربية في مرحلة من مراحل تطوّرها كانت أيضاً لغة إلصاقية، ولكي يثبت هذه الفرضية فإنه يلجأ في الفصل الخامس وهو بعنوان «نون البداية.. أداة نفي سومرية في اللغة العربية» إلى عرض 47 مثالاً من حرف النون فقط، قائلاً: «في مرحلة مبكرة من نشأة وتطوّر اللغة العربية كان النفي يتم باستخدام [أي بإلصاق] الأداة «ن»، ثم تطوّر استخدام هذه الأداة في مرحلة تالية، فأدغمت في الجذور الثنائية لتصبح أصلاً فيها، غيرَ مزيد، ولتنشأ بذلك الجذور الثلاثية البادئة بحرف النون في اللغة العربية؛ في حين استقلت أدوات النفي نطقاً وكتابةً، وكوّنت منظومة النفي المعروفة الآن». (ص 217) ويضيف : «إن هذا المظهر الإلصاقي لمفردات العربية بحثٌ جديد، وهو في أوّله، إلا أن متابعة هذه الظاهرة والاستغراق في فهم أطوارها وصيغها وما مرّت به من تبدّلات على مرّ الزمن يكشف حيّزاً هاماً في تطوّر البنية المقطعية القديمة للغة العربية وفهم كيفية انفصالها التدريجي عن السومريّة، وانتقالها في مرحلة تالية إلى بنية جذرية مستقلّة، اصطنعت لنفسها تلك الآليات الاشتقاقية المميّزة لجميع اللغات الأفروآسيوية، كالمصرية القديمة والأمازيغية» (ص 219). وليس أدلّ على هذه الفرضية من الأمثلة التي قدّمها، والتي يشير إلى أنه اختارها لصراحتها ووضوحها، أي بإهمال ما اعتمل فيه الإبدال والقلب من مفردات، وإلا لازدادت هذه الأمثلة عدداً.

إلا أن ما يجب الإنتباه له هنا هو أن تأثيل العربية في السومرية إنما يعتمد على رد المفردات إلى أصولها المقطعية كما مرّ أعلاه، أو بعبارة د. المحجوب «قراءة السومرية جذرياً في مقابل قراءة العربية مقطعياً».. وهذا المنهج هو الأساس في نظرية الأصل السومري.

أما بشأن حروف العلة فإن الكتاب ينتقد الطريقة التي أقحمت بها في قراءة العلامات المسمارية حتى تحولت في أغلب الأحيان إلى صوائت طويلة، وهو يعود بهذه الحروف إلى الحركات الأربع الأساسية في اللغات الأفروآسيوية، باستخدام الطريقة العربية لا الغربية، فالحرف a مثلاً لا يكون إلا الهمزة المفتوحة، أو حركة الفتح نفسها، يقول المؤلف في تعريفات الإصطلاحات المستخدمة في الكتاب حول الحركة والمدّ والسكون: «إمكان نُطق الحرف الصامت فتحاً، خفضاً، ضماً، أو إمالةً، لاستحالة إخراجه بدءًا على السكون. والحركة مستحيلةٌ بذاتها، إنما تتبع الحرف وتلازمه، وهي تامةٌ متى كانت، لا نِصْف لها كما في المفهوم الغربي، بل هي نصفُ مُدّة المَدّ وبعض زمنه؛ ولا تكون الحركة إلا مجهورة. أما السكون فهو الوقف على حركة صامتٍ ينتهي بها لفظ مقطع من صامتين. وهو الأغلب على المعادلة الصوتيّة للحروف العربية، ونستعيض بالحركات وأصوات المدّ والسكون في هذه المعادلة عن إثبات الصوائت في نقحرة الكلام العربي بالخطّ اللاتيني. أي بحسب تصويت المقاطع لا بحسب رسمها وكتابتها». وبعبارة أخرى فإنه يقلب ما اعتدنا عليه في نقحرة العلامات (نقلها حرفياً باستخدام الحروف اللاتينية). كما أنه يشكّك في أساليب وطرق صواتة العلامات السومرية كما نقلها الرواد من ألمان وفرنسيين، يقول حرفياً: «إن الطريقة التي قرئت بها العلامات السومرية، وتغليب الصوائت a ، i ، u على القراءة فيها الكثير من تغييب حروف الحلق- وعلى الأخص حرف العين- الذي لا يستند إلى إثبات واضح، ولا يمكن فهم غيابه إلا بالقياس على نظام تصويت الحروف ومخارج الألفاظ في اللغات الأوروبية التي تكلمها قرّاء العلامات المسمارية من ألمان وفرنسيين وغيرهم، وهي لا تحتوي على هذه الحروف». ويفترض ظاهرة يسميها «الحروف المغيَّبة» ليثبت بإعطاء أمثلة مقارنة أن السومريين نطقوا حرف العين، ولكنه أضمر في النقحرة اللاتينية في حرف a ، ويتساءل بعد ذلك: «فإذا صحّ أن السومريين نطقوا حرف العين على هذا القياس المعجمي، فلم لا يكونوا قد عرفوا حروف الحلق جميعاً، كما نعرفها، مع استثناء تمييزها بقدر أو بآخر؟ بما يصحّ أن نسميه بيئةَ تلفّظ محليّة خاصة، جعلت لكلّ حرف فروق طفيفة لا تعارض طبيعته المسموعية الأكوستيكية Acoustic ، ولا تنفي مادّته نطقاً وسمعاً في فيزيائيتها العامة. كيف يمكن للسومريين ألا يكونوا قد نطقوا حرف الهاء مثلاً؟ وهو حرف يجوز نعته بالبدائي لأصليّته وأوليّته وعدم خلو لغة في العالم منه، ولماذا استبدل به حرف الخاء، والأول أسبق وأيسر مخرجاً. ثم بأية حجّة مقنعة نقدّر أنهم لم ينطقوا الغين أو الثاء أو غير ذلك من الحروف المغيَّبة؟ قد نقول أن الحروف الذلقية متطوّرة في مسار اللغة عن الحروف الأسليّة، لقربٍ في حيوز بعضها البعض، ولأن الثانية تبدو كما لو كانت مركّبة ذوقياً عن الأولى، أو متفرعة منها مع جهدٍ لا تقتضيه التلقائية التي نحكم بها للسومرية، وقد نقول أن الفاء (التي لا تعدّ من حروف السومرية) مضمرة في الباء، أو بالأحرى في الپاء، وأن الطاء مضمرة في التاء، وأن الصاد مضمرة في السين، وهكذا؛ إلا أن بعض الحروف المستقلّة حيّزاً كالعين والحاء والهاء لا وجود لها أيضاً في نقحرة الحروف السومرية، كما نُقلت لنا من دارسيها الغربيين» (ص 147). ويمكن مراجعة الجداول المقارنة التي أثبتها لعرض هذه الفرضية، والتي لجأ فيها إلى الأكدية والمصرية والعبرية، مع إشارات إلى لغات أخرى، مستفيداً على الأخص مما توفر لديه من ملاحظات حول قراءة العلامات المسمارية التي دوّنت بها اللغة الأكدية.

وأسأل هنا: من سمع السومريين يتحدثون حتى نجعل قراءة علماء العرب خاطئة، ونجعل علماء الغرب هم المصيبون؟ إن مصيبة العلم هو تحويله إلى «ميثيّة» جديدة بدعوى المنهجية، ثمّ المبادرة إلى وصف الأفكار بالخطأ والهشاشة، لا لشيء إلا لأن هذه الأفكار تفكّك وتخلخل – بل تزلزل – ما اعتدنا عليه من «يقين»!

هذه ردود سريعة على أهم ما ورد في مقالة الأستاذ سامي مهدي، وأخلص إلى أن نظرية الأصل السومري للغة العربية واللغات الأفروآسيوية هي نظرية علمية جارفة – إذا صحّ الوصف – تجبّ النظريات والآراء الاستشراقية التي عزلت السومرية، والتي ألغت جزءا حضارياً أصيلاً ليس من تاريخنا وحده، بل من تاريخ تأسيس الحضارة واستقرار المجتمعات في العالم.

أما بشأن الحماسة القومية للدكتور عبد المنعم المحجوب فأتفق مع الأستاذ سامي في أنها نبيلة غاية النبل، ولكنها لا تتعارض – في هذه النظرية – مع المنهج العلمي والحقائق التاريخية واللغوية، وأدعوه إلى قراءة – أو إعادة قراءة الكتاب – بتأنٍ وروية، ولسوف يكتشف أي أفق جديد يشرعه المؤلف أمام الباحثين والدارسين في اللغة وتاريخ الحضارة.

4- شعوب وقبائل

في التأسيس لقراءة جديدة للأصل الواحد المتنوع في تسمياته، المتفرع في فهمنا له، أعرض بشكل سريع تأويل د. المحجوب لأصل كلمة «كنعان»، يقول:

«اسم سومر في اللهجة السومرية الشعبية (ءمِسَلْ emesal) هو: كَنَانْگ ka-na-ang ، وتُقرأ كنآن، بحذف الصامت الآخير، وهي من الظواهر اللغوية السومرية، وبإضمار العين في الألف، كما نعرف من خلال ظاهرة الحروف المغيَّبَة في نقحرة العلامات المسمارية، فإن هذا الاسم يشي مباشرةً باسم: كنعان»، وبالرغم من أنه يشير إلى أنه سوف يعود إلى هذه الفرضيّة لاحقاً، أي في بحث آخر، إلا أن هذا التحليل كافٍ لإدراك السياق العام الذي يعرض فيه د. المحجوب أفكاره، وهو سياق يهدف إلى تأكيد اللحمة الواحدة لتاريخ وحضارات الشرق الأدنى (غرب آسيا وشمال وشرق أفريقيا)، أو «أفراسيا»، بحيث يوطّن الشعوب والقبائل التي عاشت وتعيش ضمن هذا الركن من العالم في بيئة حضارية لغوية واحدة، فهو لا يستثني الطوارق أو الأمازيغ مثلاً الذين يعتبر لغتهم الأفروآسيوية قد تحدّرت بنفس طريقة العربية من الأصل السومري مروراً بمصر، بل إنه يقيم رابطاً منطقياً بين الآثار الفنية في كهوف سلسلة تاسيلي جنوب الصحراء وبين الرواسم الفخارية في المرحلة الصورية في بلاد الرافدين، ويرى إلى التحولات التي مرّت بوادي النيل بالتوازي مع التحولات التي شهدتها بلاد ما بين النهرين، وهذا التوازي تشترك فيه الصحراء الكبرى مع شبه الجزيرة العربية، بحيث أدى انحسار آخر عصر جليدي إلى التصحّر من جهة، وإلى تحوّل المستنقعات إلى أراض صالحة للإستيطان من جهة أخرى، لتظهر بعد ذلك أولى التجمّعات القارة، وتنشأ أول الحضارات في أفراسيا.

إن أولى خلاصات هذا الكتاب على مستوى قراءة تاريخ الحضارة هو التأكيد على وجود كتلة تاريخية حضارية واحدة تبدأ من 12 ألف سنة إلى الوقت الحاضر، مروراً بكلّ أشكال التجاور والتنازع، والانقطاع والتواتر، والاختلاف والتشابه، بغض النظر عن التسميات التي تأخذها بين مرحلة وأخرى، وهي كتلة تاريخية حضارية تشمل جميع الشعوب والأقوام، بدءا بالسومريين والأكديين (البابليين والأشوريين) ووصولاً إلى المالطيين وسكان جزر الخالدات، مروراً بالطبع بالجسم الأساسي لهذا الكيان والذي يمثله العرب.

5- عود على بدء

أعود إلى تساؤل الأستاذ سامي حول ما إذا كان البابليون قد كتبوا أشعارهم الأولى باللغة السومرية ثم نقلوها إلى اللغة الأكدية، لأقول له: ألم يتكشّف لك أن الأشعار السومرية الأولى إنما كانت سلفاً مباشراً للأشعار البابلية، وأن الأمر يحتاج منا إلى مخيلة عربية – بمعنى الكلمة – فيها استشراف جديد – بمعنى الكلمة أيضاً – أعني مخيلة قومية لا صلة لها بما ورثناه من قبل عن القراءات الاستشراقية المغرضة؟

يا سيدي لقد كتب البابليون أشعارهم ونصوصهم وتشريعاتهم باللغة الفصحى، وهي السومرية، قبل أن تسود اللهجة الأكدية فتنتقل من المشافهة إلى التدوين. لقد انتقلت القصائد والملاحم والقوانين والمدونات إلى الأكدية مروراً بالسومرية، كما حدث مع اللاتينية وبناتها الأوروبيات، وكما يحدث الآن مع العربية الفصحى وبناتها اللهجويات، البنات اللواتي قدّر الله ألا تستقلّ كل واحدة منهن بمنظومتها الصرفية والمعجمية دون الأم الفصحى. وهو أمر نحمد الله عليه، لسبب واحد: ألا يتقوّل علينا المغرضون فيقولون بصوت عالٍ – كما يسرّون الآن – أن العربية هي لغة ميتة تسكن المعاجم والقواميس فقط. هل تدرك ما أعني؟

أقودك إلى المعاجم الثنائية «السومرية – الأكدية» التي أشرتَ إليها، فكّر قليلاً في المعاجم العربية – العربية التي نراها الآن، وفكّر في المعاجم التي تجمع بين الفصحى واللهجات العربية، الشامية منها والمصرية والمغربية ..الخ. ألا تعني لك هذه المقارنة شيئاً وأنت قارئ ممتاز لتاريخ اللغات؟ ألم تكن المعاجم الأكدية «شارحة» للغة السومرية شرحَ المحكي السائد للفصيح الغابر؟!

ألا تدرك بعد هذا التحليل أن السومرية هي اللغة الأم التي طالما بحثنا عنها والتي جعلنا الإيمان بها – نحن العرب – جزءا من عقيدتنا في التأصيل؟ وأن د. المحجوب في ذهابه إلى التاريخ السحيق، يجعلنا نفكّر في المستقبل السحيق! فلنتفكّر قليلاً في ما يمكن أن تضيفه نظريته هذه إلى معرفتنا بلغتنا وتاريخنا.

قلت أنه جاء بنظرية تقلب المفاهيم القارّة رأساً على عقب، وقد أشار بنفسه إلى ذلك، مستشعراً أن قبول هذه الأفكار لن يكون هيّناً، خاصة وأن ما استقرّ لدينا بتأثيرات الدارسين والروّاد الأوائل من الأوروبيين أصبح في مقام اليقين العلمي الذي لا فكاك منه إلا بمشقّة البحث والتأثيل والتأصيل. إن مساءلته القويّة للأصول كفيلة بأن تجعلنا نعيد النظر، كرّةً وأخرى، حتى نتبين الصواب.

نعم تحيط بقراءة السومرية كلغة، وبالسومريين كشعب – أو كقبيلة ما قبل تاريخية – كثير من الإشكاليات، ولكن ما نجده أمامنا في هذا الكتاب هو نوع من إعادة التأسيس، نوع من النهضة الفكرية العربية الجديدة التي تمنحنا كقراء على الأقل أفقاً علمياً لنعلن أصواتنا المكلومة التي سلبتها منّا العولمة وشوّهها التغريب والتنصير والتهميش والعزْل الحضاري الممنهج.

أما د. حنون – وهو باحث فذ – فإنني أعرض رأيه هنا عَرَضاً، لأدلّل على جانب آخر من أساليب مواجهة ما أشرت إليه من إشكاليات، فلقد أراد أن يلغي هذه الإشكاليات بضربة واحدة عندما نفى وجود لغة تكلم بها السومريون، وأن كل ما في الأمر بالنسبة له هو أن الكهنة البابليين قد ابتدعوا هذه اللغة لكي يكتبوا ويدوّنوا بها أسرارهم وصلواتهم! هل يُعقل هذا! أيكون الأكديون قد كتبوا قصائدهم وملاحمهم وأمثالهم وحكاياتهم بلغة «مشفّرة» قبل أن ينقلوها إلى لغة صريحة!! هل ما نطالعه من نصوص سومرية فيها الكثير من الحياة وصنعها، فيها الكثير من البدايات لما عرفناه لاحقاً باسم النصوص المقدسة، وفيها الكثير من التأسيس للغة والحضارة في العالم، إنما كانت مجرّد «شفرة»؟! هل غلغامش هو مجرد رقم؟ هل أتنابشتم هو مجرّد «كود»؟

هناك الكثير من الإشكاليات الملغزة في تراثنا السومري – الأكدي، منها مثلاً: لماذا تتغير جميع أسماء الآلهة بين الملاحم السومرية والأكدية باستثناء اسمين فقط هما «أرشكيگل» وزوجها «نيرگل» الذين يردا بنفس الصيغة، بين السومريين والأكديين؟ كما أن التداخل السومريين والأكديين في الأثبات الملكيّة هو أيضاً أمر محيّر بالنسبة لمن لا يدرك أصلهما الواحد! إلى آخر هذه الموضوعات التي تدلّ على أن هذا التراث العظيم في حاجة منا إلى المزيد من القراءة والتدقيق، وإلى نبذ المسلّمات وإعادة ترتيب المعطيات.

للقراء أقول: إن تساؤلات مثل التي طرحها الأستاذ سامي، كما إن مذهب الدكتور حنون، وغير ذلك من «الحيرة العلميّة» أمام التراث السومري، إنما تشكّل جميعها مقدمة أو إرهاصاً لتقبّل نظرية الأصل السومري للغة العربية واللغات الأفروآسيوية.. خاصة وأن د. المحجوب لم يطرح أياً من فرضياته بصيغة قطعية ويقينية، وإن كنت – من خلال قراءتي لكتابه – أؤمن أن لا رأي آخر – شرقياً كان أم استشراقياً – يصمد أمام هذه النظرية.

6- كلمة أخيرة

لقد انحسر الخطاب القومي في المراحل الأخيرة بسبب ما تلقاه من ضربات متصلة متواصلة، وبسبب استهدافه ليس من خارج الوطن العربي فقط، بل ومن داخله أيضاً، حتى اضطرّ الكثيرون إلى الإنزواء والصمت، وكأن العودة إلى العربيّة والعروبة أصبحت تهمة تحيلنا إلى التخلّف أو تصمنا بطلب المستحيل، وأود أن أقول هنا دون محاولة مني لتوظيف أبحاث الدكتور عبدالمنعم المحجوب توظيفاً ايديولوجياً عابراً، بل بقراءتها بما تتطلبه من عمق وجديّة، أود أن أقول أن نظرية الأصل السومري تمثّل بداية جديدة لإعادة كتابة المعرفة القومية، من الناحية اللغوية والتاريخية، وهي درس يعتمد العلمية والبحث الدؤوب، فيزيح الميثيّات جانباً، وينأى عن الأيديولوجيات متلمّساً الحقيقة في أكثر صورها نقاءً، بعيداً عمّا توهمناه بفعل تأثيرات المستشرقين وتوابعهم.. نعم، للاستشراق وجوه مضيئة أولها «كشف المكانز»، ولكن له أيضاً وجوه معتمة أولها التأويل المغرض وتوجيه الاكتشافات العلمية إلى وجهة خاطئة، وكأن العرب لم يكونوا سوى أشتات بشر تائهين في الصحراء أنقذهم الإسلام من انقراض محقّق، أو أن اسهامهم لا يمثل إلا النقل والترجمة وأنهم ليسوا أهلاً للابتكار وقيادة التاريخ.

وكما أشرت في مقالتي السابقة فمع كتاب «ما قبل اللغة» تبدأ ثقافة عربية جديدة تسائل الأصول وتعيد ترتيب الأبجديات، فيه يبدأ تحيين النشأة التاريخية للغة العربية من الألف الرابعة قبل الميلاد، أي منذ أن ظهرت الكتابة المسمارية لتدوين اللغة السومرية، وفيه يبدأ تحيين النشأة التاريخية للعرب أنفسهم من 12 ألف سنة، أي منذ ظهور طلائع السومريين في بلاد ما بين النهرين بعد انحسار آخر العصور الجليدية، وفي هذه القراءة يكون العرب أقدم أمة معروفة على الأرض، خلقت أبجديات العالم، وصنعت أعرق مدنياته، وأسست أقدم أسواقه، وأنتجت أهمّ نصوصه المقدّسة... أيها السادة: كونوا عرباً كما ينبغي، تكونون أهلاً لمستقبل العالم.


القدس العربي 22 . 11. 2008





السومرية والعربية لغتان مستقلتان مختلفتان
سامي مهدي

نشرت القدس العربي (5/11/2008) عرضاً قدمه الأستاذ وليد الزريبي لكتاب الدكتور عبد المنعم المحجوب: ما قبل اللغة، الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية. وقد قرأت هذا العرض باهتمام كبير، ذلك أن الكتاب جاء بنظرية تقلب المفاهيم القارّة رأساً على عقب، وتربط بين اللغة السومرية واللغة العربية (ومعها اللغات الأفروآسيوية) ربطاً وثيقاً بحيث تحيل جذور اللغة العربية (ومعها تلك اللغات) إلى اللغة السومرية، حتى أن الدكتور المحجوب صار يرى: أن مصر عربية وسومر كذلك، وسومر مصرية وجزيرة العرب كذلك، وجزيرة العرب سومرية ومصر كذلك، وليس لأحد هذه الأجزاء أن يستقل بوصف يعزله عن محيطه التاريخي والثقافي واللغوي.

ويبدو لي أن وراء نظرية الدكتور المحجوب حماسة قومية لا شك عندي في نبلها، ولكنني أرى أنها تصطدم بحقائق تاريخية ولغوية تنقضها. ومع أنني أدرك أن مناقشتها والحكم عليها يوجبان علي قراءة كتابه نفسه وعدم الاكتفاء بالإطلاع على عرض مبتسر لأفكاره، سأجازف هنا وأعتمد على ما قدمه لي هذا العرض من أفكار للتعليق على ما يتصل باللغات السومرية والأكدية والعربية من نظريته.

أن تكون جذور اللغة العربية موجودة في اللغة السومرية يعني بشكل من الأشكال أن السومرية هي اللغة الأصل وأن اللغة العربية فرع من فروعها. وهذا يعني بدوره، أو ينبغي أن يعني، أن السومريين كانوا من سكان الجزيرة العربية وهاجروا منها إلى العراق، أو أن العرب كانوا من السومريين وهاجروا من العراق إلى جزيرة العرب، أو هو يعني في الأقل أن العلاقة بين السومريين وعرب الجزيرة كانت وثيقة جداً بحيث استطاعت اللغة السومرية أن تزرع جذورها، أو شيئاً من جذورها، في لغة العرب. ولكن الحقائق التاريخية هي غير ذلك. فلا السومريون كانوا من سكان الجزيرة، ولا سكان الجزيرة كانوا من السومريين. وليس في الآثار الباقية ولا في المدونات المكتوبة ما يدل على خلاف هذا القول. والجوار الجغرافي بين هؤلاء وهؤلاء لم يفض إلى علاقات وثيقة واحتكاك قوي، بل اقتصر على صلات تجارية محدودة بين بلاد سومر وبعض المستوطنات الكائنة على شواطيء البحرين (دلمون) وشواطيء عمان (مكان)، ولم تبلغ قط ما وراء هذه الشواطئ من عمق جغرافي. ومن المستبعد جداً أن تترك مثل هذه الصلات الضعيفة والغامضة تأثيراً عميقاٌ في لغة سكان هذه المستوطنات وما وراءها كالتأثير الذي يراه الدكتور المحجوب للغة السومرية في اللغة العربية.

والواقع أن اللغة السومرية لم تكن واسعة الانتشار حتى وهي في أوج ازدهارها، فهي لم تكن تعرف إلا في مناطق محدودة محاذية لبلاد الرافدين، فضلاً عن أنها لم تكن اللغة الوحيدة في هذه البلاد نفسها. فسكان بلاد الرافدين لم يكونوا يتحدثون بلسان واحد، أي اللغة السومرية، كما ذهب الدكتور المحجوب بناء على نص ترجمه من ملحمة أنمركار، بل كانوا يتحدثون بأكثر من لسان صحت ترجمة هذا النص أم لم تصح. فقد كان الأكديون الذين جاوروا السومريين منذ أواسط الألف الرابع قبل الميلاد يتحدثون باللغة الأكدية، وكذلك الاشوريون. أما أقوام المناطق المحاذية لبلاد الرافدين، وما وراء هذه المناطق، فقد أخذوا عن السومريين خطهم المسماري وكتبوا به ولكنهم لم يأخذوا لغتهم. وهذا الخط نفسه لم ينتشر ذلك الانتشار الواسع في بلاد الشام وبلاد الأناضول إلا بفضل الأكديين والبابليين والآشوريين. فقد كانت صلات هؤلاء بالأقوام التي استوطنت هذه البلاد وتلك أقوى وأعمق وأطول من صلاتهم بالسومريين لأسباب ليس هذا مجال تفصيلها. ثم أن هذا الخط لم يبلغ مصر إلا بفضل البابليين، وبفضل هؤلاء أيضاً أصبحت اللغة الأكدية المكتوبة به لغة الرسائل الدبلوماسية بين ممالك العالم القديم منذ أواسط الألف الثاني قبل الميلاد في الأقل. والدليل على كل ذلك ما اكتشف من رقم طينية بابلية وآشورية مكتوبة بهذا الخط في مواقع عديدة من تلك الممالك، وعدم العثور على أي رقيم سومري بينها. ولذا نستبعد أن يكون للغة السومرية أي تأثير ملموس على لغاتها. وإذا كان هناك تأثير ما قد يعثر عليه في كتابات هذه اللغة أو تلك، فهو للخط المسماري نفسه، وليس للغة السومرية. فليس من المستبعد أن يكون قد حل بهذه الكتابات ما حل بالكتابة الأكدية حين أخذ الأكديون هذا الخط عن السومريين، وهذا ما سنراه.

على أن هناك من الحقائق اللغوية الصلبة ما يغنينا عن حديث الأصول والعلاقات. وأول ما يرد إلى الذهن منها هو الاختلاف الجذري بين اللغتين السومرية والعربية. فاللغة السومرية لغة فريدة، لا هي من اللغات الجزرية المسماة خطأ باسم اللغات الساميّة، ولا هي من اللغات المعروفة باسم اللغات الإندوأوربية، فهي تختلف عن هاتين العائلتين اللغويتين بكونها لغة إلصاقية شأنها شأن بعض اللغات القديمة كاللغة العيلامية، وبعض اللغات الحديثة كالتركية والجورجية والهنغارية والفنلندية، ولكنها لا تمت بصلة نسب إلى أية منها، ولا إلى أية لغة أخرى معروفة، قديمة كانت أم حديثة، حية أم ميتة. ولذلك اختلفت في قواعدها النحوية والصرفية، وفي مفرداتها اللغوية وقيمها الصوتية عن سائر اللغات، وخاصة اللغات الجزرية (نسبة إلى جزيرة العرب) وفي مقدمتها اللغة العربية .

فاللغة السومرية، كما ذكرنا، لغة إلصاقية وليست هجائية كاللغة العربية، أي أن جملتها اللغوية مركبة من مقاطع يلحق بعضها ببعض حتى يكتمل معناها. وحروف العلة في هذه اللغة أربعة هي : a, e, i, u. أما حروفها الصحيحة فهي خمسة عشر حرفاً فقط. ذلك أنها تفتقر إلى الكثير من هذه الحروف وأصواتها، وخاصة الحروف الحلقية والمفخمة كالثاء والحاء والخاء والذال والزاء والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف والهاء، وهذا ما حرمها من الكثير من القيم الصوتية الموجودة في اللغة العربية وفي سائر اللغات الجزرية .

والأفعال في هذه اللغة ثلاثة أنواع : متعدية ولازمة ومبنية للمجهول. وتعبر الأفعال المتعدية عن زمنين : ماض، وحاضر - مستقبل. أما اللازمة والمبنية للمجهول فهي لا تحدد زمنها، بل توحد الأزمان في صيغة واحدة. وغالباً ما يكون جذر الفعل من مقطع واحد، وقليلاً ما يكون من مقطعين. ويدل تكراره في الجملة على واحد من أمرين : إما الجمع أو التأكيد. وتبدأ الجملة السومرية عادة بأداة، ثم يأتي جذر الفعل، ويسبق هذا الجذر أو يلحقه ضمير. وهناك علامات أخرى تلصق به للدلالة على زمن الفعل ومكان حدوثه. أما الاسم فتلصق به أدوات عديدة مثل ضمائر الملكية وأدوات الإضافة وحروف الجر والأداة الدالة على الفاعل حين يكون الفعل متعدياً، وهذا مما يؤدي إلى حدوث تغييرات صوتية في الجملة. وليس في هذه اللغة تثنية كما في اللغة العربية، بل فيها إفراد وجمع فقط مثل بعض اللغات ومنها الإنكليزية والفرنسية مثلاً. ثم أنها لا تميز بين المذكر والمؤنث، فهي لا تملك علامات خاصة أو أسلوباً معيناً لهذا التمييز، ولكنها تميز بوضوح بين العاقل وغير العاقل خلافاً للغة العربية .

إن هذا مجرد إيجاز سريع وشديد التبسيط لطبيعة اللغة السومرية، لأن قواعدها النحوية والصرفية أعقد مما جاء في هذا الإيجاز بكثير، ولكن ما قدمناه هنا يكفي في ما نظن لإظهار ما بينها وبين اللغة العربية من اختلافات جذرية تؤكد استقلالها عنها، وخاصة على صعيد القيم الصوتية. ولذا تبدو نظرية الدكتور المحجوب وكأنها تضرب في متاهة عندما تؤسس أطروحتها على تراكيب صوتية تعتقد أنها مشتركة بين اللغتين وأنها انتقلت من إحداهما (أي السومرية) إلى الأخرى (أي العربية). وتزداد هذه الأطروحة وهناً وهشاشة في رأينا عندما نتذكر أن معرفتنا بالتراكيب الصوتية السومرية، وبتطور هذه التراكيب، ما زالت ناقصة، وأن هذا النقص ما يزال صعوبة غير قابلة للتذليل حتى اليوم، برغم اشتغال كبار علماء السومريات عليها، ومنهم العلماء العراقيون. وكل هؤلاء العلماء يعترفون بوجود هذا النقص وكثيراً ما يختلفون في ترجمة النصوص السومرية. ذلك أن هذه اللغة ليست هجائية كاللغة العربية، وهي لم يسمعها أحد من معاصرينا حتى يسهل التعرف على تراكيبها الصوتية وطريقة نطقها. والعلماء تعرفوا عليها وعلى قيمها الصوتية عبر لغة أخرى هي اللغة الأكدية، وهم تعرفوا على الأكدية نفسها وعلى قيمها الصوتية عبر شقيقاتها من اللغات الجزرية كاللغة الآرامية. وقد استعان هؤلاء بمعاجم تركها لنا البابليون والآشوريون (وهم جزريون) تضم المفردات السومرية وما يقابلها من الأكدية، وبنصوص سومرية تقابلها، أو تتخلل سطورها، ترجمتها الأكدية. وبدون ذلك كان سيستحيل التعرف عليها وعلى الشعب العبقري الذي كان ينطق بها.

والواقع أن اللغة السومرية كانت قد ماتت منذ أمد بعيد جداً. فمنذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد في الأقل بدأت اللغة الأكدية بمزاحمتها على صعيد الحياة اليومية، وفي أواسط النصف الثاني من هذه الألفية استطاع الأكديون تأسيس دولة لهم وحدت العراق كله تحت لوائها. وقد اتخذ هؤلاء من لغتهم لغة رسمية للبلاد وراحوا يكتبون بها مدوناتهم. وبرغم عودة السومريين إلى السلطة بعد سقوط هذه الدولة بحقبة من الزمن، وبرغم ما قاموا به لإنعاش لغتهم وتطويرها وتدوين فنونهم الأدبية بها، وبرغم أن خلفاءهم من العموريين ساروا على هذا النهج من بعدهم، نقول : برغم هذا كله، بقيت البلاد مزدوجة اللغة، وما أن حل الألف الثاني قبل الميلاد حتى انحسرت اللغة السومرية ولم تعد متداولة على صعيد الحياة اليومية، ولم يلبث السومريون أنفسهم أن اختفوا من الوجود، بعد أن ذابوا في الأكثرية الساحقة من المستوطنين العموريين الذين كانوا يتدفقون على البلاد في موجات متعاقبة منذ أوائل الألف الثالث قبل الميلاد حتى غمروها في نهايته.

وهكذا حلت الأكدية محل السومرية نهائياً وعلى كافة الصعد، واقتصر وجودها على المعابد والمدارس. فقد تبنى العموريون لغة الأكديين، ولكنهم انتبهوا إلى ضرورة الحفاظ على تراث السومريين الأدبي والعلمي، فراحوا يدرّسون لغتهم في مدارسهم، ويترجمون مأثوراتهم، ويضعون معاجم سومرية – أكدية ليسهل تعليمها. ومع ذلك أصبح حال اللغة السومرية أشبه بحال اللغة اللاتينية في أوربا المعاصرة، لغة شبه ميتة لا يعرفها سوى صفوة من الكهنة والكتبة، ثم ماتت تماماً وانطمرت مآثرها ونسيت بعد أن تعاقبت الغزوات الأجنبية على بلاد الرافدين. فكيف تسنى للغة كان هذا حالها ومآلها في تلك الحقبة البعيدة من التاريخ أن تؤثر في اللغة العربية وتزرع فيها جذورها كما يرى الدكتور المحجوب؟

لو كان للغة السومرية مثل هذا التأثير في اللغة العربية لما كان لهذه مثل هذا الثراء الصوتي الذي نعرفه عنها، إذ كانت ستفقد الكثير من حروفها الصحيحة. والدليل على ذلك ما حل بشقيقتها الأكدية حين كتبت بالخط المسماري. ذلك أن السومريين ابتكروا هذا الخط بحسب الأصوات التي ينطقون بها وحدها. فكان أن افتقر إلى العلامات التي تعبر عن عدد غير قليل من الحروف الصحيحة التي لا وجود لها في اللغة السومرية. وبرغم أن الأكديين حاولوا تطويعه ليلائم أصوات لغتهم لم يفلحوا في ذلك إلا بحدود. فقد اختفى بعض الحروف من كتاباتهم تماماً، واستعيض عن حروف أخرى بحروف علة، وعن أخرى بحروف قريبة منها من حيث النطق. وهكذا فقدت الكتابات الأكدية حروف: الثاء والحاء والذال والضاد والظاء والعين والغين والهاء، ولكنها استعاضت عن الذال بالزاء، وعن الثاء بالشين، وعن الضاد والظاء بالصاد، وعن الغين بالياء، هذا فضلاً عن تغييرات أخرى قد نطيل إن ذكرناها. هذا في حين أن اللغة العربية ظلت تحتفظ بهذه الحروف التي ورثتها من أمها القديمة بسبب استقلالها عن اللغة السومرية وبعدها عنها، ثم بسبب توصل العرب إلى خط مرن يلائم طبيعة لغتهم الهجائية، وتطويرهم هذا الخط في ما بعد بما يحفظ لها الثبات والاستقلال .

إن من يدرس تاريخ اللغة العربية يتوصل حتماً إلى حقيقة كونها تنتمي إلى أم قديمة تفرعت عنها لغات أخرى كانت لهجات من لهجاتها كالأكدية والفنيقية والكنعانية والآرامية والعبرية والنبطية. وقد أطلق العالم النمساوي شلوتزر على هذه اللغات اسم: اللغات السامية. ولكن العلماء العراقيين ناقشوا هذا المصطلح بإسهاب وكشفوا خطأه، فهو مشتق من شجرة نسب أسطورية وردت في التوراة غير أنها لا تعبر عن الحقيقة التاريخية. وتوصل هؤلاء العلماء إلى مصطلح آخر أفضل منه وأدق هو: اللغات الجزرية، نسبة إلى الجزيرة العربية التي نشأت فيها الأم القديمة لجميع هذه اللغات.

ويبدو أن اللغة العربية الفصحى في أصلها البعيد هي الأم القديمة لكل تلك اللغات، ولكنها مرت بمراحل من التطور تبلورت خلالها خصائصها النحوية والصرفية ومفرداتها وقيمها الصوتية، واحتفظت عبر تطورها بمعظم خصائصها وقيمها الأصلية. ومن المؤسف أننا لا نكاد نعرف شيئاً عن مراحل التطور التي مرت بها قبل أن تبلغ ما وصلت إليه من كمال في الشعر الجاهلي، ثم في القرآن الكريم. فما لدينا ليس أكثر من تخمينات وروايات أسطورية أو شبه أسطورية عن مصدرها وعن ظروف نشأتها الأولى. ولكن من الواضح تماماً أنها نشأت في مهدها الأول، أي الجزيرة العربية، وتطورت واكتملت في هذا المهد وبمعزل عن أية أخرى ومنها شقيقاتها. ذلك أن سكان الجزيرة، جنوبيين كانوا أم شماليين، لم يتصلوا بالشعوب الأخرى إلا في حقبة متأخرة من التاريخ القديم قد لا تتجاوز حدود النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد. أما قبل ذلك فكانت الجزيرة تطرد أقوامها بسبب جدبها، بل هي كانت تفعل ذلك حتى بعد هذا التاريخ، ومن كان يهاجر منها لا يعود إليها، بل يستوطن بلاد الشام، أو ينحدر منها صوب مصر، أو يرحل إلى بلاد الرافدين .

وهكذا يتضح أن صلة اللغة السومرية باللغة العربية مجرد فرضية نظرية هشة جاء بها كتاب الدكتور المحجوب، وأن هاتين اللغتين مستقلتان ومختلفتان وكل منهما تنفرد عن الأخرى بجذورها وخصائصها النحوية والصرفية ومفرداتها اللغوية وقيمها الصوتية.

وبعد، فهذا ما لدي الآن من تعليق على هذه النظرية، ولاشك في أن العلماء العراقيين المتخصصين في السومريات والأكديات، كالدكتور فاضل عبد الواحد علي، والدكتور فوزي رشيد، والدكتور عامر سليمان، أقدر مني بكثير على مناقشتها، وما جئت به هنا هو بعض ما ألهمتني به مؤلفاتهم التي طالما استمتعت بقراءتها. وللدكتور عبد المنعم المحجوب وجهده وجرأته خالص احترامي.